عبد الكريم الخطيب
337
التفسير القرآنى للقرآن
فالمنّ أذّى جارح قد يصيب الإنسان في مقاتله . . ولهذا كان هو الآفة التي تأكل الصدقة كما تأكل النار الحطب ، إذ قد استوفى بها صاحبها حقّه من المتصدق عليه ، حين أحسن أولا ، ثم أساء ثانيا . . فذهبت إساءته بإحسانه . وقوله تعالى : « كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ » هو مثل رفعه اللّه لأعين المؤمنين الذين يتصدقون ، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منّ وأذى ، وفي هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة ، للإحسان الذي يذهب هباء ويضيع هدرا . فالكافر الذي يؤمن باللّه واليوم الآخر ، لا يتقبل اللّه منه صالحا أبدا ، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه ، وفسد به كيانه كلّه . وقد يتصدق هذا الكافر لا لوجه اللّه ، ولا في سبيل اللّه ، ولكن ليرى الناس إحسانه ، أو ليملك وجودهم بإحسانه إليهم ، أو ليحتل منزلة في قلوبهم . . فهذه الصدقة وغيرها مما يحسب في وجوه البر والإحسان مما تجود به يد الكافر ، لا يتقبلها اللّه ، ولا يجزى الجزاء الحسن عليها ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : « مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ » ( 18 : إبراهيم ) . وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق فيبطل صدقته بيده ؛ كما يبطل الكافر إحسانه بكفره ! وهنا يتمثل المنّ والأذى كأنه الكفر . . وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حسب في المؤمنين ، فليتجنب المنّ والأذى حتى يكون في المحسنين ، وإلا فهو والكافر في هذا الموقف سواء بسواء . . لا يقبل اللّه من أىّ منهما عمله الذي عمل .